ابن الجوزي
25
صفة الصفوة
وقال الثوريّ بين يدي رابعة : وا حزناه ، فقالت : لا تكذب . قل : وا قلّة حزناه ، لو كنت محزونا ما هنّاك العيش . جعفر بن سليمان قال : سمعت رابعة تقول لسفيان : إنما أنت أيام معدودة ، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك ، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكلّ وأنت تعلم ، فاعمل . عبيس بن مرحوم العطار قال : حدثتني عبدة بنت أبي شوال ، وكانت من خيار إماء اللّه ، وكانت تخدم رابعة . قالت : كانت رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلّاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر ، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة : يا نفس كم تنامين ؟ وإلى كم تقومين ؟ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النّشور . قالت : فكان هذا دأبها دهرها حتى ماتت . فلما حضرتها الوفاة دعتني قالت : يا عبدة لا تؤذني « 1 » بموتي أحدا وكفّنيني في جبّتي هذه ، جبّة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون . قالت : فكفنّاها في تلك الجبّة وخمار صوف كانت تلبسه . قالت عبدة : رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة إستبرق خضراء وخمار من سندس أخضر لم أر شيئا قط أحسن منه . فقلت : يا رابعة : ما فعلت الجبّة التي كفنّاك فيها والخمار الصوف ؟ قالت : إنه واللّه نزع عني وأبدلت به هذا الذي ترينه عليّ . وطويت أكفاني وختم عليها ورفعت في علّيين ليكل لي بها ثوابها يوم القيامة . قالت : فقلت لها : لهذا كنت تعملين أيام الدنيا ؟ فقالت : وما هذا من كرامة اللّه عزّ وجل لأوليائه . قالت فقلت : فما فعلت عبدة بنت أبي كلاب ؟ فقالت : هيهات هيهات ، سبقتنا واللّه إلى الدرجات العلى . قالت قلت : وبم وقد كنت عند الناس ؟ أي أكثر منها . قالت : إنها لم تكن تبالي على أي حالة أصبحت من الدنيا وأمست . قالت : فقلت : فما فعل أبو مالك ؟ تعني ضيغما . قالت : يزور اللّه متى شاء . قالت
--> ( 1 ) أي لا تخبري بموتي أحدا .